أجرى الحوار: صلاح الدين الدمناتي
أولا، ماذا تعني استضافة المملكة المغربية لبطولة كأس العالم لكرة القدم؟
يعني هذا الكثير بالنسبة إلى المغرب.
فالمغرب كان أول بلد عربي وإفريقي تقدم بترشيح لتنظيم كأس العالم، سنة 1988، من أجل التنافس على دورة 1994 التي ظفرت بها الولايات المتحدة الأمريكية. ورغم دم تمكنه من ذلك عاود المغرب الكرة إلى أن وصل العدد إلى خمس مرات، فكانت السادسة ثابتة هذه المرة بفضل ملف ثلاثي مع إسبانيا والبرتغال.
المغرب كانت له الجرأة في أن يلفت انتباه العالم، والقوى العالمية المسيطرة على رياضة كرة القدم، إلى أن بلدا عربيا وإفريقيا من حقه، وبإمكانه، أن ينظم مسابقة من هذا الحجم، في وقت كانت فيه هذه المسابقة محتكرة من طرف قارتي أوروبا وأمريكا، باستثناء نسخة كأس العالم 2010 التي نظمتها جنوب أفريقيا؛ وكان للمغرب فضل كبير في انتزاع هذا التنظيم الأول من نوعه على مستوى القارة. بالتالي فإن حصول المغرب على شرف تنظيم مونديال 2030 ما هو إلا تتويج لمسار امتد لسنوات طويلة مع الترشح، كما أنه اعتراف بقدرته على احتضان حدث عالمي يتطلب إمكانيات كبيرة.
هناك معنى آخر، يتمثل في أن نسخة 2030 تتزامن مع مئوية المونديال، وهو حدث استثنائي سيسجله التاريخ. أما على المستوى الجيوسياسي فالأمر له أكثر من معنى: لأن الرياضة ليست مجرد نتائج، وألقاب، وملاعب ومنشآت... ولكنها ورقة سياسية يتمُّ توظيفها حسب حاجة كل بلد.
قلت إن المغرب كان له فضل في استضافة جنوب إفريقيا لكأس العالم 2030. هل يمكنك أن توضح كيف ذلك؟
المغرب كان له الفضل لأنه بكل بساطة من كثرة إصراره على الترشح باسم إفريقيا كسَر قاعدة ثابتة، ألا وهي هيمنة أوروبا وأمريكا على التنظيم. لقد فتح المغرب الباب أمام القارة السمراء لتحلم بإمكانية التنظيم، وهو ما نبّه العالم إلى أن هذه القارة من حقها أن تحلم وباستطاعتها أيضا أن تنظم بطولة بهذا الحجم. نتيجة هذا الإصرار والضغط اللذين كان وراءهما المغرب فُرِض العمل بنظام المداورة بين القارات. وفي سنة 2010 جاء الدور على قارة أفريقيا. وبما أن الترشح في هذه السنة كان محصورا بين الدول الإفريقية فقد كان أمام جنوب إفريقيا فرصة سانحة لتحسم السباق النهائي لصالحها على حساب منافسها المغرب.
بكل موضوعية، المغرب كان له شرف السبق في فكرة الترشح الإفريقي، لكن جنوب إفريقيا كانت وقتها جاهزة للحدث أكثر منا.
يأتي فوز ملف المغرب المشترك لاستضافة كأس العالم 2030 أياما معدودة بعد نيل شرف استضافة كأس أمم أفريقيا 2025. هل أثرت ثقة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم في المغرب من أجل تنظيم كأس أمم أفريقيا، في تعزيز قوة الملف المغربي المشترك لاستضافة كأس العالم؟
إفريقيا هي من بين عوامل أخرى عديدة نجح المغرب في استمالتها وتوظيف إمكاناتها لصالحه.
العمل على الواجهة الإفريقية بدأ منذ سنوات لبلوغ ما تحقق اليوم، والرياضة كانت جزءا لا يتجزأ من الملفات التي اشتغل عليها المغرب منذ عودته سياسيا إلى الاتحاد الإفريقي من خلال الاستثمارات الاقتصادية الضخمة في مختلف دول جنوب الصحراء.
استراتيجية العمل اختلفت هذه المرة عما سبق وكل شيء طُبخ على نار هادئة. المغرب حاول إصلاح أخطاء الماضي، ومنها غيابه عن مناصب المسؤولية والتأثير داخل الكنفدرالية الإفريقية لكرة القدم والاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). أما الآن فصارت له كلمة مسموعة داخل الجهازين، وأصبح أكثر اطلاعا على ما يجري في الكواليس. وعلاوة على كل ذلك والأهم، أنه لم يعد بعيدا عن قنوات المعلومة في الهيأتين المذكورتين. ثقة الكنفدرالية الإفريقية لها دورها طبعا، لكن المغرب لعب على أكثر من واجهة، ومنها عرب آسيا، إضافة إلى الورقة الأوروبية. هناك عمل سياسي كبير أُنجز في الخلفية ليتحقق ما تحقق حاليا، وليست إفريقيا وحدها المعنية بهذا العمل.
من المنتظر أن يعقد مؤتمر "الفيفا" اجتماعا السنة المقبلة، بعد مرحلة التقييم، للبث النهائي في ملف المغرب المشترك. هل يمكن أن تتعثر استضافة المغرب للبطولة بالنظر إلى البنية التحتية التي تتوفر عليها المملكة في الوقت الحالي؟
لا أعتقد أن التنظيم سيتعثر. مؤتمر الفيفا سيكون فقط المرحلة القانونية الأخيرة لتثبيت هذا التنظيم. قبل أسابيع اعتمد مجلس "فيفا" الملف مرشحا وحيدا؛ ما يعني أن هذا الملف الثلاثي بين المغرب وإسبانيا والبرتغال سيكون الوحيد المطروح خلال مؤتمر الاتحاد الدولي. بطبيعة الحال قانونيا لا يمكنُ اعتبار هذا الملف مُنظما حتى الآن، لأن اعتماده مرشحا وحيدا لن يعفيه من مرحلة التقييم التي تشرف عليها لجنة خاصة قبل أن تقدم تقريرها الأخير. لكن واقعيا سيكون هو المنظم، لأن بلاغ الفيفا أشار إلى نقطة مهمة وهي أن هذا الملف يتوفر على المعايير المطلوبة في حدودها الدنيا. وهذا في حد ذاته حكم أولي يمكن من خلاله توقع حكم ما بعد التقييم. كما أن ملعبَا الرباط وطنجة سيكونان شبهَ جاهزين أثناء زيارة لجنة التقييم، فيما ستقدَّم ملاعب فاس ومراكش وأكادير على أنها ملاعب جاهزة بنسبة معينة وينقص فقط إعادة تأهيلها، وسيظل ملعب الدار البيضاء الكبير المنشأة الوحيدة التي سيكون مبرمجا بناؤها وقتها، وهذا كله يتطابق مع ما هو مطلوب أثناء زيارة لجنة التقييم.
سبق أن قلتُ لك إن عملا سياسيا كبيرا أُنجز في الخلفية، ليكون ملف المغرب وإسبانيا والبرتغال مترشِّحا وحيدا. فالسعودية كانت لها نية الترشح لمونديال 2030 لكنها تراجعت، بريطانيا هي الأخرى تراجعت، وحتى أمريكا الجنوبية عن طريق الأرجنتين والباراغواي وشيلي، إضافة إلى الأوروغواي، مهد كأس العالم، تراجعت رغم أنها كانت تؤمن أن لها شرعية في تنظيم نسخة 2030 التي تتصادف مع مئوية البطولة التي انطلقت من أرضها، وقبِلت باستضافة المباريات الأولى فقط .
لا أعتقد أن كل هذا جرى صدفة. كما أنني أرى أنه حتى لو لم يكن ملف المغرب وإسبانيا والبرتغال المترشح الوحيد، فإنه الأقوى على أرض الواقع بين جميع المترشحين المحتملين.
ما الذي يحتاجه المغرب، على مستوى البنية التحتية، ليتمكن من استضافة بطولة بحجم كأس العالم سيشارك فيها 48 منتخبا؟
طبعا لا يكفي أن تتوفر على ملاعب لتقول إنني أنوي تنظيم كأس العالم. في جميع الأحوال فإن البنية التحتية للمغرب مقارنة مع أول ترشح قد تطورت بشكل لافت. كما أن حصول المغرب على المعدل الأدنى في تقييم ترشحه لمونديال 2026 منحه الثقة والشرعية ليعتبر نفسه بات قريبا من بلوغ هدفه.
ما يحتاجه المغرب على مستوى البنية التحتية يعرفه جيدا لأنه استفاد من تجاربه السابقة ومن دفاتر التحملات في المرات السابقة. طبعا إعادة تأهيل الملاعب لتتطابق مع دفتر التحملات. النقل أيضا عامل أساسي لتسهيل تحرك وتنقل الجماهير خلال كأس العالم، وحينما نتحدث عن النقل فنعني به النقل الجماعي داخل وخارج المدن من حافلات وترامواي وقطار وأيضا المطارات. وفي هذا المجال تحديدا، فالمغرب انخرط فعلا في تعزيز بنيات هذا القطاع، وهناك حديث عن تسريع ربط مدينتي أكادير ومراكش بالقطار فائق السرعة وتحديث شبكة القطارات العادية، كما أن استضافة كأس العالم ربما تكون مناسبة لتحريك ملف ممر تيشكا الجبلي. كما ستعرف مجموعة من المطارات مشاريع توسعة، ومن المؤكد أن الخطوط الملكية المغربية ستوسع أسطولها. هناك أيضا شبكة الطرق السيارة التي بدأت توسعة بعض مقاطعها وإنجاز مقاطع جديدة، والعرض الصحي كذلك من خلال توفير وتأهيل المستشفيات، وإحداث مستشفيات جامعية جديدة، ورفع عدد الأطقم الطبية وشبه الطبية سيكون من بين الأولويات أيضا في كأس العالم. الفنادق شرط أساسي من شروط التنظيم، رفع عدد الأسرة وجودة الخدمات من بين النقاط الحاسمة، إضافة إلى قطاع المواصلات والربط بالإنترنت والنقل التلفزيوني. بالتالي لا ينبغي أن يُترك شيء للصدفة.
ما هي المكاسب الاقتصادية المنتظرة من تنظيم بطولة كأس العالم 2030؟
المكاسب الاقتصادية حسب أولويات كل دولة. ما هو مؤكد أن كأس العالم والألعاب الأولمبية هما الحدثان الوحيدان بخلاف جميع القطاعات اللذان يفرضان عليك تحريك عجلة الاستثمار في مجالات مختلفة: الملاعب والفنادق والمطارات والنقل والطرق والمواصلات ولا أعتقد أن حدثا آخر قادر على فعل ذلك.
تشييد المنشآت وتحسين البنية التحتية سيجعل من المغرب ورشا كبيرا ومفتوحا، من شأنه أن يحرك الاستثمار ويخلق فرص شغل عديدة، والإيجابي في كأس العالم أنه يسرع من وتيرة إنجاز المشاريع، عوض انتظارها سنوات لترى النور. كما أن كل ما يُنجز من أجل التنظيم يستفيد منه البلد فيما بعد.
وضعت وزارة السياحة قبل سنة مضت خطة لاستقبال 26 مليون سائح بحلول سنة 2030. كيف يمكن لاستضافة كأس العالم أن تساهم في تحقيق هذا الهدف؟
من خلال إشهار اسم المغرب ومن خلال تنقل الجماهير لتشجيع منتخبات بلدانها. ذلك سيدفعهم إلى اكتشاف البلد وبالتالي سيصبحون سياحا محتملين في المستقبل. والأمر نفسه ينطبق على من سيشاهدون المونديال عبر التلفزيون. كأس العالم له القدرة على أن يجعل اسم المغرب يذكر يوميا في القنوات والإذاعات والصحف، إضافة إلى نشاط المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي. لا يجب أن ننسى أن البطولة ستشهد مشاركة 48 منتخبا، ما يعني أن التظاهرة ستلعب تقريبا في شهرين عوض شهر كما كان عليه الأمر سابقا. ولنا أن نتخيل ملايين الصور التي ستنقُل بلدنا إلى العالم. لكن من الواجب ألا نغفل أن استقبال ملايين الناس في حدث مؤقت غير كافٍ لجعلهم يعودون، بل تشجيعهم على العودة يمرُّ عبر جودة الاستقبال وجودة الخدمات وباقي الجوانب الأخرى.
كيف بإمكان التنظيم المشترك لمونديال 2030 أن يؤثر على العلاقات الاقتصادية والسياسية بين المغرب وإسبانيا والبرتغال؟
أظن أن ما وقع هو عكس ذلك. فتصفية مجموعة من الملفات السياسية والاقتصادية هي التي مهدت الطريق أمام البلدان الثلاثة لتقديم ملف تنظيم مشترك. السياسي هو ما تَحكَّمَ في الرياضي، وفي نظري، فإن الترشح المشترك تتويج لما اتُّفِق عليه سياسيا؛ كما لو أنه إعلان حسن نية، خاصة من طرف إسبانيا تجاه المغرب، بعد الأزمة السياسية التي طبعت علاقة البلدين خلال السنوات الماضية.
هل بإمكاننا الحديث عن تكتل اقتصادي بين هذه البلدان الثلاثة في السنوات القليلة القادمة؟
ليس هناك شيء ثابت في السياسة. لكن أرى أن إسبانيا بشكل خاص استوعبت أن مصلحة الجميع تكمنُ في طي الخلافات، والتعامل بشكل مختلف مع الملفات التي تشكل موضوع خلاف بين البلدين.
هل تريدون القول بأنه لا يمكن الحديث عن تكتل اقتصادي إلا في ظل علاقات سياسية مستقرة بين البلدان الثلاث؟
نعم. وإرادة سياسية أيضا.
ترك تعليق
لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *