أجرت الحوار: نجوى رزكي
- جاء في نص الرسالة التي وجهها الملك محمد السادس إلى رئيس الحكومة، أن الإشراف العملي الخاص بتعديل المدونة يجمع بين عدة مؤسسات دستورية وتشاورية، وأشارت الرسالة أيضا إلى الانفتاح على المجتمع المدني. كيف سيشتغل هذا الأخير مع باقي المؤسسات؟ وماذا سيضيف إلى هذه المشاورات؟
أولا، يلاحظ في هذا التكليف أنه عهد بالمراجعة لمؤسسات لا تمثل سلطة الفقهاء لأول مرة، حيث جعل المجلس العلمي الأعلى مؤسسة في وضعية تقديم المشورة والرأي وليس الإشراف المباشر على التعديل. وهذا يحدث لأول مرة، حيث في جميع المرات السابقة كان رجال الدين يستحوذون على كل السلطة في تناول نص المدونة معتبرينه نصا دينيا شرعيا. وهذه الطريقة الأخيرة في تدبير هذا الموضوع تدل على أن الدولة تسير في اتجاه اعتبار المدونة نصا قانونيا مدنيا، مما يفتح الباب أكثر على توسيع حدود المراجعة والتعديل ويقلص من حجم المحرمات والطابوهات.
كما أن التنصيص على ضرورة الاستماع إلى المجتمع المدني والباحثين هو أمر هام جدا لأنه يعني ضرورة اعتماد تقارير مراكز الاستماع، وكذا الدراسات والأبحاث التي تمت حول الأسرة والطفل وحول وضعية النساء عموما، وهذا يزيد من حظوظ مراجعة منصفة لأن الحركة النسائية والدراسات السوسيولوجية تجعل الواقع هو المرجع الرئيسي لمعالجة الاختلالات ورفع الظلم عن المرأة والطفل، وليس الفقه التراثي القديم.
- ارتباطا بنص الرسالة الملكية، قال العاهل المغربي "إن المدونة اليوم أضحت في حاجة إلى إعادة النظر لتجاوز الاختلالات والعيوب المتعلقة ببعض المواد، وبالنظر إلى تجربة قرابة عقدين من الزمن على العمل بالمدونة الحالية".
فهل مدة ستة أشهر كافية للوقوف على هذه الاختلالات؟
نعم إنها كافية لأن الاشتغال النقدي على مدونة الأسرة لم يبدأ اليوم بل بدأ في الواقع منذ 2008 تقريبا، وراكم الكثير من التقارير والمعطيات. ويبدو واضحا بأن ثغرات نص المدونة يمكن أن نلامسها على ثلاثة مستويات:
- على مستوى التصور العام: وجود تناقض وعدم انسجام في النص، حيث يتضمن مواد حداثية بجانب مضامين فقهية قديمة لا علاقة لها بمجتمع اليوم. مما يقتضي إضفاء الانسجام على النص بجعله متلائما مع الفصل 19 من الدستور، ومع مبدأ سمو المعاهدات الدولية على التشريعات الوطنية، ومسايرا للواقع الاجتماعي حتى يستجيب للأوضاع الجديدة.
-المواد التي لم يتم تغييرها سنة 2004، والتي ما زالت سبب التمييز والظلم.
- ومن جهة أخرى، المواد التي تم تعديلها لكن بصيغة تركت الباب مفتوحا لبعض الاستثناءات والتعقيدات التي جعلت النص عديم القيمة وغير قابل للتطبيق.
- ارتباطا بالجدل الحاصل في مواقع التواصل الاجتماعي، ماهي المواد المنتظر تعديلها في المدونة، علما أن المدونة حسب الملك محمد السادس لن تكون خاصة بالمرأة فقط، بل ستعمل على الحفاظ على حقوق جميع مكونات الأسرة؟
أهم المواد المطلوب تعديلها لرفع الظلم والتمييز وإحقاق المصلحة الفضلى للأطفال هي:
- المنع الكلي والقطعي لتزويج القاصرات وإلغاء إمكان العودة إلى السلطة التقديرية للقضاة، الذين تبين أنهم منحازون إلى الطرح المحافظ في تزويج الطفلات بدون مراعاة سنهن وحقهن في التمدرس.
- إقرار اقتسام الولاية على الأطفال بين الرجال والنساء.
- إقرار حق المرأة في الزواج أثناء الحضانة دون انتزاع طفلها منها.
- منع تعدد الزوجات.
- إتاحة اقتسام الأموال المكتسبة وإلغاء الشروط التعجيزية مع تقدير قيمة عمل المرأة داخل البيت.
- إلغاء التعصيب وإتاحة إمكانية الاختيار بين القانون الإسلامي في الإرث وقانون مدني يساوي بين الرجال والنساء في تدبير المواريث أو إقرار الوصية.
- اعتبار تحليل الحمض النووي حجة حاسمة في إثبات النسب والبنوة.
- رجوعا إلى النقطة التي ذكرتها والمتعلقة بتزويج القاصرات وإلغاء السلطة التقديرية للقاضي، نتفرض أن هناك فتاة لم تصل بعد إلى سنها القانوني للزواج وحدث حمل وهي في 14 من عمرها مثلا... ويتدخل والي الفتاة (الأب) لتزويجها ليولد هذا الطفل في إطار أسرة. في هذه الحالة هل يعد الزواج أمرا ضروريا على الرغم من أن الفتاة قاصر؟
تزويج الطفلة ليس حلا، فالتحايل الذي يلجأ إليه البعض من الذين يغررون بالطفلات هو جعلهن يحملن بشكل مقصود، وهو نفس التحايل الذي يقوم به من ترفض زوجته أن يتزوج عليها حيث يجعل عشيقته تحمل ليفرض الأمر الواقع على القاضي، وهذا كله تحايل على القانون لا ينبغي مسايرته. وحتى في حالة عدم القصد، فإن من يؤدي إلى حمل طفلة ارتكب جريمة "التغرير بقاصر" التي يعاقب عليها القانون، وينبغي معاقبته وليس مكافأته بتزويجه من الطفلة التي غرر بها، والحل هو الإجهاض القانوني وليس إقحام الطفلة في مؤسسة الزواج التي ليست مستعدة لها لا نفسيا ولا عقليا ولا جسديا.
- هناك مجموعة من النقاط التي تثير جدلا والمتعلقة بالطفل كالحضانة، الولاية، النسب... هل حان الوقت لإسقاط المفهوم التقليدي للقوامة مع ولوج المرأة للعمل والإقرار بالإنفاق المشترك على الأبناء؟
نعم لقد آن الأوان فعلا لتفكيك نظام "القوامة" الذي بني أساسا على أن الرجل هو الذي يعمل ويكسب المال وينفق ويحمي المرأة، كما أنه يتميز عنها بالعقل والقوة، وهذا كله خاطئ في عصرنا، حيث ثبت اليوم بأن المرأة أيضا تنفق وتعمل وتعيل الأسرة وأنها لا تقل عقلا وقوة شخصية عن الرجل، وهذا يعني استحالة الحفاظ على منطق قديم في تدبير واقع جديد.
- من بين الثغرات القانونية الموجودة حاليا إعطاء الصلاحية الكاملة للأب في ما يخص الوثائق الإدارية رغم أن الأم هي الحاضنة. هل هذا التعديل سيعالج هذه الإشكالية ويعطي للزوجة الحق في استخراج الوثائق الإدارية الخاصة بالأبناء؟
نعم، هذا هو القصد من اقتسام الولاية بين الرجل والمرأة، ومن تمكين المرأة من الحضانة حتى بعد زواجها. ومن حقها في رعاية طفلها على جميع المستويات، لأنها أصلح من الأب في ذلك بحكم طبيعة العلاقة التي تجعل الطفل أكثر التصاقا بأمه. وستمكن هذه التعديلات الأم من القيام بما يلزم من توفير كل ما يحتاج إليه الطفل قانونيا وإداريا، حيث ثبت بأن الكثير من الآباء يفضلون التضحية بمصير الطفل انتقاما من المرأة.
- هل مبادرة تعديل مدونة الأسرة تعد انتصارا للجانب الحقوقي في المغرب وللحريات أم انتكاسة ومساهمة في تشتت الأسرة والقضاء على المفهوم التقليدي لها؟
كل مراجعة تعد خطوة إلى الأمام، لأن ضمان الكرامة للمرأة والطفل يجعلان الأسرة أكثر قوة، عكس ما يروج له التيار المحافظ الذي يسعى إلى إيهام الناس بأن حصول المرأة على حقوقها يؤدي إلى تفكك الأسرة، بينما الحقيقة أن ما يقصدونه باستقرار الأسرة هو خضوع المرأة وصبرها على المعاناة في ظل نظام القوامة الاستعبادي والمهين لكرامتها. فالمنطق التقليدي يقول على المرأة الصبر والتضحية لكي تبقى الأسرة مستقرة، بينما المنطق الحقوقي يقول إنه لا استقرار للأسرة على حساب نفسية المرأة والطفل وصحتهما وسلامتهما. ومن الضروري التنبيه بهذا الصدد بأن السبب الذي يجعل حقوق المرأة تؤدي إلى تزايد نسبة الطلاق وإلى ارتفاع نسبة العنف ضدها هو تخلف العقلية الذكورية، حيث نقوم بتعديل النصوص دون تغيير عقلية الرجال التي نشأت وتعودت على الاستفادة من النزعة الذكورية للفقه القديم والمنظومة التقليدية. خذي مثلا إقرار الطلاق للشقاق، الذي أعطي فيه للمرأة الحق في التطليق ولم يعد الطلاق بيد الرجل وحده كما كان، النتيجة ازدياد ارتفاع نسبة الطلاق لأن النساء أصبحن قادرات على التخلص بسهولة من جحيم علاقة زوجية مختلة وغير عادلة، بينما من قبل كان الرجل يترك زوجته "معلقة" ويتزوج بأخرى انتقاما منها، والغريب أن هناك من يعتبر هذه الوضعية سليمة لأن فيها "استقرارا للأسرة" وهذا كذب وبهتان لأن الاستقرار المزعوم يؤدي إلى انتحار الكثير من النساء أو عيشهن في ظل ظروف لا إنسانية.
- بين الإجتهاد الفقهي الذي يتحدث عنه الملك محمد السادس وما أشار إليه في خطاب عيد العرش عندما قال: " لن أحل ما حرم الله ولن أحرم ما أحله".. ماهي حدود الاجتهاد الفقهي في تعديل مدونة الأسرة؟
معضلة الاجتهاد أنه مبني على قواعد الفكر الديني التراثي التي تضيق من حدوده وتجعله يؤدي إلى نفس النتائج القديمة، أي إلى اللااجتهاد، وهذا ما يقصده الفقهاء بالحلال والحرام، فاعتماد قواعد الاجتهاد القديمة تجعل الحلال يبقى دائما حلالا بالمعيار التقليدي مهما انقلب الواقع، والحرام كذلك، بينما الحقيقة أن أمورا كثيرة كانت حراما وأصبحت اليوم معمولا بها وعادية جدا، كما أن أمورا كانت حلالا ومستحسنة وصارت اليوم قبيحة ومحظورة، مثل الجواري و"ما ملكت أيمانكم" فقد كانت حلالا وصارت اليوم محظورة قطعيا بل تعتبر جريمة نكراء، كما كانت شهادة المرأة تقتضي امرأتين اثنتين لقول الفقهاء بعدم توفر خبرة للنساء في الشؤون المالية، وهذا كله تغير اليوم فمعظم العاملين في القطاع البنكي نساء.
هذا من جهة أما من جهة أخرى فإن مفاهيم الحلال والحرام قابلة للتأويل خارج المنظومة الفقهية الضيقة، حيث يصبح الحرام هو الظلم والتمييز والحلال هو العدل والمساواة.
- أي مجتمع بالإضافة إلى الدين هناك تقاليد وسمات تحكمه (نتحدث هنا عن العقليات السائدة في المجتمع وطبيعة تمثلاته حول المرأة والطفل)، هل هذه التعديلات المرتقبة ستساهم في التشجيع على الزواج أم العزوف عنه؟
التيار المحافظ يعمد إلى التشويش على النقاش العمومي والحوار الوطني عبر إشاعة أن إقرار حقوق المرأة والطفل من شأنه أن يؤدي إلى عزوف الشباب الذكور عن الزواج. وهذا يفضح هذه العقلية التقليدية التي تعتبر أن الذكور لا يمكنهم الزواج إلا إذا جعلوا المرأة تحت وصايتهم بل تحت حذائهم، وهذا منظور خاطئ ومتخلف، لأن مدونة الأسرة ينبغي أن تعتبر الزواج مؤسسة مبنية على وجود طرفين متساويين هما الرجل والمرأة، يتقاسمان المسؤولية بينهما على الأسرة. من هنا ينبغي إلغاء عبارة "رب الأسرة" لأنها خاطئة، فهناك رب الأسرة وربة الأسرة كذلك، والمسؤولية والولاية والحضانة والأموال متقاسمة وليست كلها للرجل على حساب المرأة كما كان في المنظومة التراثية القديمة.
إن مواجهة هذا النوع من التشويش يكون عبر اعتماد الدولة مقاربة تواصلية دائمة من أجل تأطير المواطنين وتعريفهم بالتطورات القانونية حتى يكونوا على بينة منها، كما على الدولة تأهيل الذكور حتى يرقوا بعقولهم إلى مستوى النصوص القانونية، ومستوى عطاء وكفاءة المرأة اليوم.
ترك تعليق
لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *