معلومات الاتصال

شارع علال الفاسي، مدينة العرفان
الرباط - المغرب


فضمة المقدم

حاول مشاركون في ندوة حول دور وتطوّر المجلات في التاريخ المغربي المعاصر، الوقوف على تاريخ المجلات الثقافية في المغرب، واستعراض مسيرتها منذ البدايات الأولى، في ندوة نظمت بمناسبة الدورة 29 للمعرض الدولي للنشر والكتاب.

انطلق المؤرخ والأكاديمي محمد البكري من فكرة أن الإعلام الثقافي في المغرب يواجه تحديات كبيرة، تتطلب الوقوف عندها والعمل على حلها لتحقيق الإشعاع الثقافي المرجو منها. وتتطلب هذه المهمة وعيًا بالمشاكل الحالية التي يتخبط فيها الاعلام الثقافي، عموما والمجلة خصوصا والعمل الجاد على حلها.

ويقول البكري في هذا الصدد: "في الماضي، كنا نعلل نقص إشعاع وانتشار المجلات بالاستعمار، لكن اليوم، وقد تخلصنا من الاستعمار، يجب أن نوجه نظرنا إلى المستقبل وهذا لن يكون إلا بوعي تاريخي عميق". ويضيف المؤرخ والجامعي: "نحن في مرحلة يجب فيها أن ننظر للمستقبل، وإما أ نربح الرهان، أو نخسره كما خسرناه طوال عشرة قرون. ولكي نربح المستقبل، يجب أن نعي التاريخ."

الخطابي من أوائل كتاب المجلات

من بين الشخصيات الوطنية التي ساهمت في هذا المجال، أتى البكري في هذا السياق على ذكر محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي لم يكن فقط قائداً للمقاومة المسلحة بل كان أيضًا كاتبًا كبيرًا في الصحف الإسبانية، مما يُظهر حجم التأثير الثقافي الذي مارسه المثقفون المغاربة حتى في الصحافة الأجنبية.

وأشار المتدخلون في الندوة إلى مجلة "السلام" التي كانت من المجلات الثقافية الهامة التي ظهرت في المغرب في العصر الحديث. وأسسها المؤرخ الكبير محمد بن الحسن الوزاني في عام 1933. وكانت هذه المجلة تعكس الروح الوطنية والثقافية، حيث كتب فيها عدد من المثقفين المغاربة المتميزين، وتناولت قضايا المجتمع والثقافة والسياسة.

في الاتجاه نفسه، قدم أستاذ التاريخ الراهن، معروف الدفالي، محاولة لتأطير التاريخ المغربي للمجلات، وعرض المحاولات الأولى للتأصيل لنشأة المجلة المغربية كمنبر اعلامي يؤسس للثقافة كركن من أركان المجتمع و هذا الاطار العام فرض العودة للزمن و خاصة للثلث الأخير من القرن 19 إلى ثلاثينيات القرن 20.

وفي هذا السياق قال الدفالي إن هناك مرجعيتين أساسيتين في وصول المجلة إلى المغرب، الأولى هي الاستعمار الذي تعرف من خلاله المغربي على المجلة كمنتوج ثقافي، والثانية هي المشرق العربي الذي اقتبسها هو الآخر من الاستعمار، أي من أوروبا.

وفيما يخص المرحلة الأولى للتعرف على المجلة، فأن ذلك يعود إلى الشمال المغربي، وتحديدا مدينة طنجة أولا ثم تطوان ثانيا. فمدينة طنجة عرفت المجلة في القرن 19، عندما كانت لها صفة "دولية". جميع البلدان الأوروبية الطامعة في احتلال المغرب كانت لها قنصليات في هذه المدينة، وفيها كان يتم التخطيط لاحتلال المغرب مما يتطلب التوفر على إعلام ناطق باسم هؤلاء الطامحين، يوضح برامجهم وتصوراتهم. لذلك شهدت طنجة إصدار صحف ومجلات، باللغات الفرنسية والاسبانية والالمانية و الإيطالية... أي بجميع اللغات الاستعمارية.

أما عن المرجعية الثانية، أي المشرق العربي، يقول الدفالي: "نعرف جميعا، خاصة من تتبع حركة النهضة العربية، أن الصحافة بدأت تظهر في القرن19، وطبعا بتأثير من الغرب، وهذه المجلات التي ظهرت في هذه الفترة تهمنا لكون الناس الذين يقرؤون باللغة العربية أول ما اطلعوا عليه كان المجلات المشرقية في مصر أو بلاد الشام أو العراق و ما يهمنا في هذه المجلات هو أنها اهتمت بالقضية المغربية".

دور فعال للحركة الوطنية

وأشار المتحدث نفسه إلى أنه عندما تأسست الحركة الوطنية في الثلاثينيات، ساندت هذه المجلات المغاربة كثيرا، مقدما مثال مجلة "المنار" لصاحبها رشيد رضى، التي كتبت كثيرا عن وضع المغرب.

ومن بين الشروط الداخلية. حسب معروف الدفالي، لصدور المجلات بالمغرب، كان ظهور الحركة الوطنية بالدرجة الأولى، حيث ظهرت مجلة "السلام" لمحمد داوود سنة 1933، بتطوان كأول مجلة مغربية مستقلة، ثم محمد المكي الناصيري في الشمال أيضا، مع جريدة "المغرب الجديد" سنة 1935، وبهذا تكون هذه المجلات أول من أسس للعمل المجلاتي بالمغرب.

وفي هذا السياق يؤكد محمد البكري أن دور الإعلام هو إيصال الأخبار الجديدة كما حدثت، إلى جميع الناس، "لكن هذه الأخبار تختلف، فهناك الخبر العادي، أي الوقائع والأحداث العادية... وهذا دور الإعلام العادي في ينشرها، لكن هناك بعض الأحداث التي تحتاج الى فهم، وللفهم لابد من التحليل، لأن المواطن لا يمكن أن تقول له ماذا وقع؟ أين؟ ومتى؟ فقط ولكن هناك أمور أعمق من ذلك، وبالتالي فالذي يقوم بالتحليل والدراسة هو الإعلام الثقافي بالتحليلات والنقاشات والحوارات التي تساعد المواطن العادي على أن يفهم الأشياء العميقة".

نشر ضعيف

من جانبه الشاعر والناقد المغربي عمر العسري، انطلق من سؤال: كيف يمكن للحركة الفكرية وحركة النشر أن تساهم في تطوير المشهد الإعلامي والثقافي المغربي؟ وذلك في ظل كل هذه الإكراهات التي تعرفها المجلة وخاصة المرتبطة بالنشر.

استند العسري على دراسات أنجزها حول المجلات المغربية، وأخرى سابقة تناولت واقع النشر في المغرب، وكان آخرها دراسة أصدرتها "مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود" حول واقع النشر في المغرب سنة 2022\2023.

هذه الأخيرة كشفت رقم 2785 منشور، وهو عدد، حسب عمر العسري، ضعيف جدا بالمقارنة مع التطور القائم في هذا المجال. وتتضمن هذه المنشورات الأعمال والدراسات الأدبية، في المركز الأول، ثم يأتي القانون في المركز الثاني، وهنا يظهر، حسب العسري، أن الحقول المعرفية تلعب دورا كبيرا في تأثيث المجال الثقافي المغربي بمختلف مساراته.

أما المجلات، فتقول هذه الدراسة إن هناك حوالي 164 عنوان، بين مجلات ورقية وأخرى رقمية، وعرفت السنتان الماضيتان إصدار حوالي 496 عدد. وفي هذا السياق يقول العسري إن "هذه الدراسة تبين أن هناك صعوبة مالية تواجه عملية الطباعة والنشر عموما لأن جزءا كبيرا مما يتم نشره يكون على نفقة الخواص والكتاب والباحثين".

ويضيف المتحدث نفسه أن "المجلات تحتاج إلى المزيد من الدعم، من خلال إعادة النظر في المجال القانوني، وإعادة تأطير مجال النشر عموما. ثم ثانيا إعادة النظر في دعم هذا القطاع خاصة في تمويل إعداد المجلات حتى يكون لها امتداد في مختلف المؤسسات وعلى مستوى المجتمع، لكي يكون هناك توسع وامتداد لنشرها لتصل لكل الفئات وخاصة الفئات المهتمة".

وبالحديث عن الإعلام الثقافي ودور المجلات، فإن أغلب المداخلات انصبت في نفس السياق، إذ هناك من يقول إن الثقافة في الاعلام، خاصة في القنوات العمومية المغربية، لا تأخذ حيزا كبيرا، وآخرون يتساءلون حول ما إذا كان هناك سياق تاريخي أخر يسمح بعودة الزخم الثقافي الذي كانت تمارس من خلاله المجلة الثقافية المغربية دورها الحضاري خصوصا بعد هذا الزخم الرقمي الذي يعرفه العالم.

يقول الأستاذ عبد الصمد بلكبير في هذا الاتجاه، "إننا لا نعاني فقط من أزمة داخلية ولكن نعاني أيضا من مضاعفات الأزمات الخارجية التي يتم تصديرها إلينا."



من إعداد فضمة مقدم

تأطير الأستاذ محمد ركراكي

ترك تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *